لقاء حبيبين الجزء الثالث3

لقاء حبيبين- تابع-

تلتهمك دروب الأندلس الموغلة في النكران، وقبل الوداع الأخير، همستُ لك بما خبرني به قلبي، همستُ لك أن لقاءنا هذا أُحسه آخر لقاء، أحسستُ حينها أنك وهمٌ، وأن لقاءنا حلمٌ سرعان ما سنستفيق من كابوسه، وأخبرتك بإحساسي ، حينها عارضتِ ما كنتُ أستشعره،. وسواء أكنتِ صادقة في معارضتك أم كنتِ تلعبين دور الطفل البريء، فهاهي الأيام تثبتُ صدق إحساسي، وصواب حدسي.
 
 
 
كم كنتُ صادقا لحظتها، وكم كنتِ مداهنة، قلتها لك بنبرة يقين، فقد سبق لك أن مارستِ نفس اللعبة في مرة سابقة ، نفس الحدث، نفس الظروف، نفس لهفتك للقائي، مع فارق بسيط كون المرة الأولى قدمتِ من المهجر ولم تتصلي حتى لتسألي عن أحوالي. وهذه المرة ، كان السؤال، وكان الموعد، فاللقاء. اختلاف طفيف بين رحلتين كانتا لك بمثابة لعبة تتقنين قوانينها، وكنتُ المغفلَّ التائه في متاهات التصديق بكل ما تقولين.
 
 
 
أحسستُ أنك ستعودين لبلاد الأندلس وسينقطع الإتصال، قلتها لك بلطف يُخفي مرارة حدسٍ صادق عذبني العمرَ كله، قلتها لك بطيبوبة بالغة، قلتُ لك سترحلين، وستغرقين في مشاهدة الأفلام وتنسين كل الحديث، وكل المواعيد، وكل العهود، وتنسين قلبا خفق من أجلك، ونبض لتسكني حشاشته.
 
 
 
قلتها لك والأسى ينخر كياني، ودون تفكير منك رددتِ بعبارتك الهادئة:"هذه المرة ليست كسابقتها".أجل هذه المرة ليست كسابقتها، على الأقل بالنسبة لي أنا، لأني زرعتُكِ هذه المرة بذرة لتترعرعي في دواخلي، فتصيرين قطعة من ذاتي، وأصير لك وعاءً أحتويك بكل التفاصيل المنقوشة في جواك.
 
 
 
أجل هذه المرة ليست كسابقتها، فقد كتبتُك بغصة حارقة، وهذه المرة سأكتبك بالدم، سأنزف من الصدع الذي أحدثيه على جدران وهمي، سأنزف من الكوة التي نحتْتِ مقاييسها بكل علوم الهندسة ، وعلم المعمار الذي درستيه لتطبقي خواصه عليَّ. صنعْتِ لك ثقبا وأحسنت الصنعَ، لتبارحي المكان، وتخرجي من كياني كرها بعدما دخلتيه طوعاً، وتركتِ عنوة جدار قلبي ممزقا ينزف ليوصلني إلى تعاستي المحتومة.
 
 
أكان تخطيطا منك- أنتِ المهندسة البارعة- أم هو محض صدفة حملتها لك رياح الأندلس؟.
 
 
 
أفْهَمُكِ، أنا، لا أفهمك، كيف لي أن أفهم امرأة تصارعُ من أجل الوجود؟ كيف لي أن أفهم من تشتكي الوحدة، ولما أعتزَلتْ مسحتْ وجودها من الكون كي لا أسألها ما بها؟ أتخشين غضبي، أم تشفقين على إغضابي؟ أم تتكومين كل هذا الوقت كي ترتبي أوراقك، وتهيئين عشا لائقا يضم أحاسيسنا، ويجمع ذواتنا تحت سقف ستشهد الأندلس يوما تمازجهما؟.
 
 
يامن كنتِ وهماً، تمرين خلف متاريس قلبي، هربتُ دهراً كي لأ أستنشق عطرك، ولم أقاوم حين أرخيتِ خصلاتك ستائر خبأتْ شغبا مارستُه حول خديك . وتضوع عطرك، كم كان عطرك فواحا، لم يكن مُصنَّعاً، كان هَبَّةً من جسدك، نسيما معطرا بأريج أنوثتك الدافقة.
 
 
 

والتقطتُ أنفاسي كي لا أستنشقك، لكني لم أقاوم، وكانت الهزيمة. أتعلمين أن لكل جواد  كبوة؟ ولكل عنيد نقطة ضعف؟ هل كنتِ تعلمين أن كبوتي في فوحان أنوثتك؟ وحاسة شمي التي تفضح خجلي؟ أكان لزاما عليَّ أن أكمم أنفاسي كي لا أستنشقك؟ أم كان حرياً بي أن أخلف الموعد معك حتى لا تلتقي أنفاسنا فأغرق في بحرٍ لُجَّـتُـه عرقُك؟...

 

  

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


algeria