قراءة نقدية للأستاذ منعم الأزرق في قصيدة : ترانيم على خطى امرأة

قراءة نقدية للأستاذ منعم الأزرق في قصيدة :
ترانيم على خطى امرأة

بدءا يثيرني أن يكون النص مسبوقا بخبر إعلاني يفيد أنه تم الاستماع إليه إذاعيا عبر مواقع مختلفة، والإغراء هنا كان من المنتظر الاستجابة له عبر إدراج الملف الصوتي مع النص المكتوب، لحظتذاك كنا سنقرأ النص سامعين، وهذا وضع قرائي يسمح لنا باستفزاز "الطاقة المحايدة" في النص. لا سيما أن عنوانه لا يخلو من إحالة على الصوت والصمت بلفظة "ترانيم"، وهي "ترانيم" تابعة لخطى امرأة عليها مدار القول ومآله، مادامت متوجة بالإمارة في البدء (لك الإمارة) وفي المنتهى (تبقى لك الإمارة).

ورود "الترانيم" و"المرأة" النكرة في العنوان، يوحي بالشحنة الغنائية التي طبعت النص؛ فالذات الشاعرة تساير خطى المرأة باستسلام إبداعي لجمالها الغاوي والمقدس في ذات الآن. وعوض أن ينساق وراء الإيقاع السمتري-العروضي، نراه يوظف أبسط الكلمات وأوضحها مانحا إياها توازيات وتكريرات وتقابلات يفيض عنها الصوت والميسم الغنائيان، بموازاة مع ذلك يعتمد الشاعر الجمل التي لا يبلغ فيها الانزياح مداه الأقوى الذي يربك قدرة التلقي أحيانا. لكنه -مثل المرأة المقدسة ذاتها- ينزلق أحيانا إلى الاستعارات الذاوية والمكرورة من قبيل:

"تـتمـخـضـيـن فـتـلـديـن حـينا عـظيما
وحـينا سـفـيـها
فيكون التاريخ
ويكون المداد
ويكون القـرطاس
"

وقوله:

"فـنـركب قافـلة الـتغـيـيـر"

هنا لا ينبغي قراءة الصورة بالمعيار البتري والقيمي للبلاغة القديمة بل يجدر ربطه بالرؤيا الناظمة للنص ككل يسري فيه إمضاء الشاعر لذاته، حيث يقدم لنا المرأة ككائن إنساني وملائكي في آن معا، تلد عظيما أو سفيها.. تحلّق عاليا كما تتمرغ بتراب الواقع الرث.

يثيرني، أكثر من الصياغة الموضعية للجمل، اتكاء الشاعر على ذاكرة الحكي الشعبي وأوصافه في بنائه لاستعارة المرأة الموسعة، إنها: (أميرة - متوجهة بالهدايا - فوق هودج الفضيلة تحلم تسافر تشاكس وتلد بُـرْجاً ... ). رغم تعدد الصفات والأفعال والحكايا فإن هاته المرأة تبقى واحدة، وغاية الذات الشاعرة هي "التوحد بها" بعيدا عمّا يقصيها ويحجبها وينفيها.
في ذروة هذه الاستعارة، ينتقل المتكلم من دور مقدم الهدايا (المانح الواهب) والخاشع بحضرة المرأة إلى ملتمِس للمخاض الصعب الذي به تتم مقاومة "صهد الزمن الضائع "...
نخلص إلى أن الإصغاء لخطى هذه المرأة يولّد الانطباع بدائرية حركتها، فهي تتلقى الهدايا في لحظة الزفاف وما قبله، لكنها مطالبة بالمخاض الصعب الواهب والمنقذ من الضياع، وبذلك تكون لإمارتها المعاني الحاثّة على تتبع خطاها كأم واهبة بعدما كانت أنثى جاذبة... ومن هذا الجانب لم يكن اعتباطيا افتتاح النص بتتويج الأميرة وختمه له أيضا بذات العبارة التتويجية.

على هامش الإحالات التاريخية-الأسطورية، استوقفني استمرار الشاعر في توليد أسطورة "الفردوس الأندلسي الضائع"، في قوله:

"عـطرك كان المفـتاح
كان الـزورق ألـبه عَـَبـرْنا
أنـدلـسـاً فـتـحـنـاها
أنـدلـسـا ضـمـمـنـاها
أنـدلـسـا ضـيعـناها
"

أمام هذا المقطع تتهادى في ذاكرة المتلقي نماذج شعرية كثيرة مكتوبة باللغة العربية عبر أزمنة ما بعد "الطرد من الفردوس" (ليس محمود درويش الحالة الوحيدة حديثا)، كما تبرق في الذهن (وهذا هو مرجع الأسطورة!)مقاطع من خطبة طارق بن زياد المنسوبة له زورا والتي يستحث فيها الجنود -قبل العبور- باستثارة طاقة الليبيدو واستعارة خصائص "بنات الجنة" في اللاوعي الجمعي: "وقد بلغكم ما أنشأتْ هذه الجزيرةُ من الحور الحسان، من بنات اليونان، الرافلات في الدر والمَرْجان، والحُلَل المنسوجة بالعِقْيان، المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان".
جدير بالقصيدة في هذا الزمن الشعري أن تحاور الرمز التاريخي بروح إنسانية متحررة من أقماط القراءات القومية الضيقة والتهويمات الذكورية الفتوحية، وإلا فإن إضاعة الأندلس تعني أن كل ما جاء بعد المسلمين ضياع أو تضييع؟! وبغير ذلك أخبرنا لوركا في غمرة الحرب الأهلية الإسبانية حديثا؛ تلك الحرب التي كانت درسا دفع الإسبان عموما والأندلسيين خصوصا إلى استخلاص التسامح من التاريخ واستنباته في الحاضر: "مثلما يترحم الاندلسيون، والاشبيليون تخصيصا، علي قبر الزعيم بلاص إنفانتي بإشبيلية جرت العادة أن يترحم زوار أغمات من اإشبيليين على المعتمد بوضع وردة على قبره تقديرا وإجلالا لأحد مواطنيهم البارزين." (انقر على: د. اسماعيل العثماني).

العزيز عبد الرحيم هرّي
دامت لك الكلمات المتوهجة

أتمنى-مرة أخرى- أن أستمع للنص، خاصة وأن القصيدة أقنعتني أن "صوت الشاعر" سيمنح ل" الترانيم" بعدا غير حاضر في القراءة البصرية أو هو محُيّد في صمت العين ومسحها.

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


algeria