في ديوان هذا المساء ،تنطلق الشاعرة من محيط حياتها المعاش،الذي هو هنا تيه داخل الزمن العمودي،ومنه يبدأ السؤال،والشهادة في مواجهة المجهول لتخلق لنفسها وحدة التجاوز. تنطلق ليلى ناسيمي من مدينة الدار البيضاء ،ومن ليل الدار البيضاء الذي يعري المدينة،فالشاعرة هي البيضاوية التي تظهر في الديوان وتختفي كثعلب محمد زفزاف. هذا المساء،عنوان يؤسس لبكائية على ضريح المدينة التي تحمل لواء السبق في التصدي ،في الرفض،في الثبات،في الإنفلات،وفي الرذيلة. قصائد الديوان هي عبارة عن مواجهة للواقع بغية سحقه وتحرير العالم ولو ظرفيا من سباته،من هنا جاءت النصوص منفتحة على اللذة والفرح تارة،وعلى التشظي أحيانا في سفر على هودج التخيل والتوهم. حضور مدينة الدار البيضاء في الديوان مرة بشكل جلي،ومرة أخرى بشكل خفي،يفضي بنا للحكم على أن الشاعرة ابنة بيئتها،فهي العارفة بحال المدينة،بليلها،هي الواعية بالخطأ التاريخي الذي تعرفه،مشخصة للداء الذي ينخرها فتنتشر العدوى لباقي المدن. الليل في الدار البيضاء لا يشبه الليل في باقي المدن ،تتدافع الصور في أزقة المدينة وفي أحشائها ،فتلتقطها الشاعرة في مقام نكران الذات،لتحيل لنا المشاهدات كلمات تؤسس مقاطع نصوص وكلما ازدادت الشاعرة بوحا،ازدادت المقاطع التي تتضح عبرها الرؤية،حتى نكاد نتوهم أن أبطال ليل البيضاء ليسوا الشاعرة التي تختزل الهموم وتستنهض الغافلين ،عبر دعوتها للملاحم،تستنهضها لتجمع الحكايا وتوظفها كي تتزود من معينها لتشاهد وتروي لنا عن ليل البيضاء. تراتيل ليلى جاءت لتنضاف للمشهد الأدبي المقروء،فهي بوح آخر بلغة جديدة تفننت الشاعرة في طرحه على الورقة،فجاء بهي الطلعة،مغريا بالتأمل ،ساحر المضمون. الكتابة هنا همٌّ والقراءة مواساة،الكتابة بوح والقراءة لغة،وبين البوح واللغة كلام. الكتابة تكريس الذات،والقراءة شاهد على المرور. لكل منا قصة تستحق أن تروى وتكتب،والداء الذي ينخر عظامنا أننا دوما نئن دون أن نكتب،أنيننا يستحق بياض الورقة خربشة تعلو حضرتها كي تغدو الزفرات فعلا والحروف معاول،ولن تكون الأرض أخصب من بياض الورقة،وهو الفعل الذي صرفته الشاعرة في هذا الديوان. شهرزاد حكت ما لديها في زمن كان مقداره ألف ليلة وليلة واحدة، فكم يلزم شهرزاد عصرنا كي تلملم جراح أمتنا بحكاياها؟ كم من الوقت يلزم كي تصور ليلى ناسيمي الألم الذي ينخر عظامنا؟ كم من ليلة من ألف يلزم للبوح؟ - هري عبدالرحيم -
السبت, 16 فبراير, 2008
تقديم ديوان
هذا المساء لليلى ناسيمي
من طرف هري عبد الرحيم
الجميل في كتابات ليلى ناسيمي أن كلماتها تأتي محملة بالإيحاءات التي تحمل القارئ ليغوص في ثنايا الصور باحثا عن المعنى المقصود،ومن هنا يأتي انفتاح نصوصها على عدة قراءات.
وهل سيطلع الصباح على شهرزادنا أو أنها لن تسكت لسانها عن الكلام المباح؟
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










