أبناء الهجرة

أبناء الهجرة

جمع أحمد بعضاً من ملابسه المتهالكة،وودع الأم الحنون،التي لم يغمض لها جفن منذ قراره الرحيل،قبَّلَ رأسها وقدميها،فعانقته عناق وداع أبدي.كانت عيناها تذرف بدل الدمع دماً،على فراقٍِ لا تعلم كم سيدوم،وهي التي جلست لسنوات تُمَنِّي النفس بأن ابنها البكرَ،سيغدو رجلاً،وسيعوِّضها عن سنوات الحرمان التي قاستها مع أبيه،وها هو اليوم يودعها،بعدما ضاقت به قريته بما رَحُبَتْ،فلا عملَ يشغله،ولا دخْلَ يُريحه،ولا أملَ في المستقبل هنا،كلُّ شباب القرية هاجروا...
قَبَّلَ يد أبيه،كفكف دمعة انحسرت داخل مقلتيه وطفق سائراً يلتمس الطريق الرئيسية حيث ناقلة الركاب تمرّ...
جلست الأم القرفصاء تنتحب،جاءت نساء القرية تكفكفن دمعها الغزير،تسلينها،وتُذَكِّرْنها بأن أحمد ليس الأول ولن يكون الأخير الذي غادر القرية،وغداً سيعود بِحِمْلٍ ثقيل مما تجود به المدينة من خيراتٍ،ثمناً لكده وعمله،وسيبني لها بيتا محترما يعوضها عن ذلك الكوخ الذي عاشت فيه أحلك أيامها...
أحمد،هذا العاطل عن العمل،لفظته قريته التي ارتبط بتربتها وتنفس هواءها،فهل ستعترفُ به المدينة الغول التي تتنكر هي أيضا لأبنائها؟
بقي يتسكع لأيام معدودات،ذاق فيها مُرَّ العيشِ،وشظفَ الحياة،كان يلتحف السماء ويفترشُ الترى،كان يأكلُ ما فَضُلَ عن أصحاب المطاعم ،وما جادت به أكياس القمامة...
جرّتْه أقدامه إلى الميناء،بحثاً عن عملٍ شاقٍّ يُلهيه،أو سقفٍ متينٍ يأويه،أو سمكٍ طريٍّ يشويه،فكان يتنقل بين أروقة الميناء وأحيائِه،كالبعير الأجربِ،لا أحدَ يلتفتُ لحاله،أو يُحِسُّ بمعاناته،هو الذي ترك الأمَّ باكية،والقريةَ حزينةً،والإخوةَ الصغارَ ينتظرون عودته بكثيرِ من الألعاب والحلوى...
هناك شرذمةُ أطفالٍ تتفاوتُ أعمارهم،يجتمعون في زاويةٍ قاصية،اقترب منهم وَجٍلاً، أحسَّ بينهم بدفءٍ لم يعهدهُ،شاركهم خبزاً وماءً،وبعضَ لُفافات السجائر، كانوا يخططون ،يحسبون الوقتَ،ينظرون إلى المدى البعيد:{ليلاً سيُبْحرُ بهم القارب إلى الضفة الأخرى،حيث العمل مطروح على قارعة الطريق ينتظرُ من يمارسه، والأوروبيات بنقاوتهنَّ يحلُمْنَ بأزواجٍ يأتونَ من عالمٍ جائعٍ معهم يستطعْنَ بناء أُسْرَةٍ...}.
سيأتي القارب ليلاً،بعدها وداعاً أيُّها الوطنُ الذي لم يُكَرِّمْ أبناءه،وداعاً عُطالةً طالتْ،ولمْ تنقضِ بعدُ،وداعاً أيها الشرطيُّ الذي ليس همُّه سوى نهبِ جيوبِ المواطنينَ،وداعاً معاملنا التي ضاقت جدرانها على أبناء البلد...
تتراءى سيارةٌ آتيةٌ صوبَ الكوخِ،تقتربُ،تحمل معها فزعاً لأهل القريةِ.
تطاولتِ الأعناقُ ،وجحظت الأعيُنُ وهي ترقبُ غُبارَ السيارةالمتطاير،ولما انحسر النقعُ ،لاحتْ سيارة رِجال الدَّرك،لمْ تتوفقْ حتى عتبة الكوخ.خرجتِ الأمُّ لتتسلَّمَ ورقةَ نَعْيِ تنعي لها أحمدَ الذي لفظته مياه البحر مع مائةِ مهاجرٍ سِرِّيٍّ.
وتُحسُّ الأم بدوارٍ في الرأسِ تصيح صيحةَ ثكلى ، تسقطُ مغشياً عليها،تجتمعُ نساء القريةِ حولها...
والأطفالُ يلعبونَ ألعابَ البراءةِ، ينتظرونَ الحلوى والألعابَ...



الدارالبيضاء:01/03/2007

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


algeria