قراءة في ديوان" عتبات الذاكرة" للشاعر محمد عماري ليس من السهل علينا متابعة شاعر مهموم بقضايا الشعر، ومنخرط في قضايا المجتمع بكل أحاسيسه وعواطفه؛ ليس من السهل علينا استجلاء مكنون نصوص الشاعر المغربي:" محمد عماري"، فهو يتجول بك عبر نصوصه داخل مواجع الناس، واصفا تارة، ومحللا أخرى، فاضحا أو متألما لمآل الوضع العام. ويأتي الديوان الثاني" عتبات الذاكرة" بعد مخاض عسير، ليؤثث المكتبة الشعرية العربية، بنصوصه ال35؛ نصوص تغوص مرة في عمق الذات لتبوح لنا بالكلام الصامت في جوانية الشاعر، ومرة تتوزع عبر القضايا القومية، لنعيش لحظات عشق وألم حين تلبسنا النصوص، وتأخذنا بطريقة عرضها لهذه القضايا: + المرأة + الألم + الثورة + الإنتفاضة الفلسطينية +زلزال مدينة الحسيمة + أعلام وأماكن. · حين نتوغل في النصوص بحثا عن خيط يوصلنا إلى ذات الشاعر، فإننا نجد أنفسنا أمام نص يُشبع فضولنا، نص معنون ب" بين المعابر والدروب"، ومن خلال العنوان، تتضح لنا الصورة، فهي قراءة لأمس الشاعر، تصوير لأناه، رسم لكنهه( ص 29)؛ فهو الماشي _ نحو حتفه ككل إنسان_، يسير به العمر نحو الرقي بالتجربة والمعايشة التي تصقل شخصيته.وهو المجنون الذي ينضح فنونا، وهو العاشق المتيم التائه المنجذب خلف عشق محكوم بالزوال. ونقرأ في نص:" مهجة بين الطين والماء" الأمنية المخبأة للشاعر حيثُ يستنجد بالورد ليدله عن امرأة تدثر حزنه وتبوح له بالحياة؛ يبحث عنها لتؤنس وحشته. *شكري الغائب الحاضر: يخصه الشاعر بنص في الصفحة (36) بعنوان" آخر البوح" نص غني يخبرنا عبره أن محمد شكري صاحب رواية" الخبز الحافي" لم يمت، بل لا زال مستمرا، فالشاعر يستمد لفظه من متون شكري، وبهذا فالقاص والروائي الميت، ممتد عبر الزمن ، رغم الغياب القسري، ممتد عبر أشعار محمد عماري. · الحسيمة مقر سكنى الشاعر، حضرت في الديوان بقوة، إذ في (ص38) نجد نصا معنونا ب:" الحسيمة تأبطت حزن الصباح"، في إشارة للزلزال الذي ضربها حيث لا زال المكان شاهدا على المأساة بخرابه ومعاناة أهله. وتحضر الحسيمة في توقيع عدد من النصوص إن لم نقل أغلبها. · وتتقارب النصوص لتكوًِن مجموعات رصدتُ بعضاً منها في قراءة أولى فجاءت موزعة على : · المرأة: حاضرة في ص 12-" أنات الوصل". ص 26- 27- 28 المرأة كذكرى، كألم، كحلم، كمتخيل ص 32. * الأنا الناطقة:ص 29. الأمكنة: مرشان ص 37 الحسيمة 38 · الشخوص: · البطل عبد الكريم الخطابي · الروائي محمد شكري · الطفلة هدى الفلسطينية ميزة الكتابة في الديوان: نقرأ في ص 43 نصا بعنوان: " خزامة أطلت من عمق الدجى"، نصا يفتتح بمقطع غزلي، كأني بالشاعر يستمد لون كتابته من عادة فحول شعراء الجاهلية: ما رأيتك إلا زاهية على نهد رابية توسدت عبق خزامة سابحة بين غمامتين./ ثم ينطلق صوب الموضوع: أيا معرجا على شمس نائمة خلف الأقاحي ذي حبيبات الماء تشكو الجوى لعبد الكريم وصحبه والطير في أدواحها مترنم برخيم صوت: ................ آهات تلتقطها النوارس تنقلها الريح لبحر هائج يغفو بين الرمل والحصى يخيط من الحلم امرأة هاربة في محار خزامة أطلت من عمق الدجى ماء يسكر العبارة ينسج تاجا في حناء الصنوبر على وقع ريح طوحت بي في سديم الصمت. أيا ساريا دعني أتلو سبحتي لطائر سابح في مداءات مزمتي أنثر بياضي على مشكاة كانت هنا سبحان مدلج الليل سبحان مزين الوقت./ الحسيمة02/07/07 توظيف جيد لأحد أبطال الريف، الزعيم الثائر محمد بن عبد الكريم الخطابي، ابن الريف الذي لا زالت مدينة الحسيمة شاهدة على جدران بيته، فالشاعر هنا يستلهم كالطير ترانيمه من بطولات هذا الثائر. ثم نقرأ في ص 46 نصا قوميا آخر بعنوان" عرس الشهيد": من قلب يافا تولدت الحكاية عن امرأة تعشق الحجارة تخضبها بعجز بني عرب بقهر بني غرب تقدمها لطفل الجسارة لطفل الشهادة. خفاش يمخر غيمة يحمل بسمة لصلبان الحدود. يمتطي صهيل الليل يرسم عرس الشهيد يخبو ينبض بين اللحود./ ويهدي نصه" أترحل صوب الشمس وأبقى أنا" للطفلة الفلسطينية"هدى": هو ذا صوتك يندف كالرذاذ في فمي " أبوي أبوي" ذي هدى تتلوى على نهد الرمال تتشكل جرحا تتشكل دمعا يخضب وجه التلال "أبوي أبوي" أترحل صوب الشمس وأبقى أنا؟ لا النوارس لا الفوارس لا الموج يحل جرح السؤال "أبوي أبوي" مات بني غرب صاح بني عرب: اسمعوا اكتبوا تحت الشمس ما شئتم ........ فالعنقاء آتية من عمق الرماد سوداء بيضاء حمراء تحمل وردا لكل هدى تصهل حي على الجهاد/ هكذا هي نصوص الشاعر محمد عماري، تتوزع في المكان والزمان، وتتنوع من حيث المواضيعُ، غير أنها تبقى كلها مرتبطة بواقع الشاعر الذي يحمل قضية؛ فهو يمجد الأبطال والشهداء، يؤرخ للمناضلين، يهامس السائرين على الخطى الثابتة. محمد عماري، صوت مخضرم عايش ثلاث حقب: - حقبة تأسيس الدولة الحديثة، حيث كان الصراع بين معسكرين شرقي وغربي، وحرب باردة، وما عرفته هذه الحقبة من تقدم في كل المجالات، مع ما صاحبها من قمع وانتكاس لدى الأمة العربية التي لم تستفد من صراع المعسكرين. - وحقبة انهيار الشيوعية وسقوط جدار برلين، مع ما واكبه من حرية هبتْ نسائمها عكسية على بلادنا، حيثُ فشت الفوضى والتمييع في كل المجالات. -وحقبة ثالثة، هي عصر الثورة الإلكترونية التي استفاد الشاعر من حسناتها، بتواصله مع العالم الخارجي، يعطي ويأخذ. حقبٌ أنضجت فكر الشاعر، فجاءت نصوصه تحمل همًَ الشعوب، وتجعل القاريء يحس أنه المعني بالخطاب. فالشاعر ينطق بلسان القاريء، لأنه يعيش همومه. "عتبات الذاكرة"، نصوص تتمخض لتلد لنا ديوانا معاصرا، يرصد الوجع الممتد على خارطة الوطن. هــري عبدالرحيم:01/11/2008
أضف تعليقا
من المغرب

العزيز عبد الرحيم
أيها المبدع المتميز
وقفت عند قراءتك
الى جانب قيمتها الأدبية،هي دليل على محبتك للشعراء
مودتي
من النمسا

الاخ هري عبد الرحيم
شكرا لك على هذه القراءه الممعنه الرحله الممتعه
المحزنه والمفرحه مع محطات قطار الشاعر المغربي محمد عماري
وهذا هو حالنا نحن الشعراء
قطارنا يسير من محطة لاخرى
يسوقه القدر
يسوقه لاخر المدى
يسوقه الى...المصير والاجل
اتمنى قراءة منك مماثلة لديواني الفادم والذي انا بصدد طبعه قريبا انشاء الله و ساهدي لك نسخة منه.
دمت لنا ايها الاخ الاديب ودام قلمك
نحياتي لك و لكل اهلنا في المغرب العزيز.
عماد اليونس /العراق
من المغرب

صفاء:
أنت دوما سباقة للنهل من فيض الحروف، فبك نستنير من عتمة الجمود، ومعك نسافر عبر سراديب الكلمات، فكوني دوما هنا ليزداد الألق.
تحيتي لحضورك البهي.
من المغرب

أخي العزيز توفيقي بلعيد:
أتدري صديقي أنك نبراس نستدل به حين تستوحشنا المسارات في حلكة الوقت؟
أتدري أنك أملنا في متابعة حضورنا، فبك نطل من ثقب إبرة على مستقبل يكاد يستثنينا، وحين تحضر يتسع الثقب ليشمل كل أحلامنا.
كن دوما رفيقا تزدان بك طريقنا.
تحيتي مخضبة بأريج الليلك.
من المغرب

عماد اليونس يا قلبا كبيرا يخفق في سماء الوجود:
يتسع الأفق حين تحضر، وتُضاء السماوات السبع بوجودك، أنت مشعل، قبس من نور، تواجدك يُضفي الأنس.
سأسعد حين أقرأ لك نصوص ديوانك، وسأتشرف بتوقيعك.
دام لك الألق أيها الصديق.
باقة من زهر الأقحوان أبعثها لك مع نسيم الصباح.
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













من مصر
تحياتى الى الاديب المبدع هرى عبد الرحيم
احيك على هذا الاختيار الرائع وهذا يدل على ذوقك الراقى والمميز
واسمح لى أن أقدم التحية والتهنئة للشاعر محمد عمارى على هذا الابداع وهذه الروح النبيلة التى يشغلها هموم الوطن
ديوان رائع يستحق الاشادة والقراءة
تحياتى لكم وتقديرى
صفاء داود