النص جزء من رواية " المشنقة"للدكتور عبد العزيز غوردو تحالف مع الشيطـــان
** 22 ** يتبع...) الدكتور عبد العزيز غوردو)
لماذا وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ أهي مجرد تناقضات السلوك الإنساني تغلي تحت جلودنا وتدفعنا باتجاه القرف؟
أنظر من حولي، وكما العادة، البسطاء الذين عجزوا عن قضاء "حاجتهم" خارج البلد... هم الذين يدفعون ثمن حريته التي انتهكت... وأنا لست مختلفا عنهم، على الأقل هذا ما يبدو لي: جلدي مثل جلودهم، ورأسي، ورجلاي أيضا... أنا منهم، و"البدون" أيضا، وإذا متنا فلن يكون ذلك بدون جدوى...
كان على أحدهم أن يقتلني يوما، ولم أكن غلكاميش... سنموت جميعا، يوما، على كل حال... فقط ننتظر متى، وأين، وكيف: واقفين أم راكعين؟
روى المحتضرون قصص الأهوال المروعة في كل مكان، وكنت أنتظر الأخبار، كأنني أنتظرها منذ ألف عام... ومنذ ألف عام أيضا أنتظر الخلاص..
في يوم العقيقة، عقيقة الاجتياح، أعادوا الرضيعة إلى رحم أمها بعملية قيصرية عكسية، هكذا قالوا، حاولوا رتق ما فتقوا، لكن اتسع الخرق على الراتق... ورغم ذلك أعلنوها طفلة، تحمل رقم تسعة عشر في كناش المحافظات، وهو رقم ارتبط في ذهني بالجحيم دائما... وتم التقاط الصور التذكارية للجراحين يتوسطهم "السيد الريس"... والناس الذين دعوا للاحتفال كانوا غاضبين، كارهين... والغضب، مثل الكراهية، مشاعر تدخل عبر العينين والجلد وباقي الحواس، لتستقر في القلب... ليغدو جار الشمال، ابن العم، أبغض مخلوق على وجه الأرض...
فلتة من فلتات الطبيعة أنت.. وحين أحاول أن أحبك، أيها الجار، يسوء الوضع أكثر... فأنتهي إلى كرهك أكثر... أنت الذي اغتصبت أرضنا، ونساءنا، وكل جميل فينا... وعربدت في دمنا... أما كان بإمكانك التوغل غربا لتعربد مع الغواني بساحله؟ يقال إن مدن شرق المتوسط، مثل فتياته، مفعمات أنوثة وخصبا.. أم أنك أجبن من أن تعربد هناك؟
هذه الأرض، حضارتها عشرة آلاف سنة... عشرة آلاف سنة من الحروب والدمار والزلازل
كان هناك فتيات في حديقة مدرسة "أروى" يلعبن... يتحلقن حول بائع المثلجات بعد خروجهن... ثم تساقطن كالأوراق... ليس إعياء، إنما لأن الغزاة أرادوا لهن ذلك...
اليوم، الاثنين، أو ربما أي يوم آخر.. الساعة العاشرة والربع، أو ربما أي توقيت آخر... لست أدري بالضبط.. لأن توقيت الدراسة ما عاد مهما.. بعد أن استحالت المدرسة مستودعا للسلاح، وثكنة تعربد فيها فرق القوات الخاصة: مارسنا الرياضة/"الحرب" وخسرنا الكثير من الوزن، ووصلنا إلى نهاية عقيمة...
لا نرى نهاية للخوف الذي يتضاعف باستمرار... هاهنا جثة، كان يمكن أن تكون جثة أي شخص، لكنها جثة "من كان هنا"، فقط لأنه كان هنا، في الوقت الخطأ والمكان الخطأ، كان عالقا وسط الرصاص... وما كان بإمكانه أن يقول لا...
لا للأشياء التي حدثت... لا للتي سوف تحدث... لا للديمقراطية... لا للإرهاب... لا لشعارات السياسيين التي يسوقونها مقابل شراء الأصوات في الانتخابات... لا للياقات البيضاء وربطات العنق المحكمة والبدلات الداكنة التي تنذر بالمجازر والمآتم... لا للكذب الذي يعلبونه، ويصدرونه، على أنه حقيقة... لا للجينات المجمدة لتعديل خلايا الدماغ، لتصبح طيعة لا تعرف كيف تقول لا...
" "
"في يوم العقيقة، عقيقة الاجتياح، أعادوا الرضيعة إلى رحم أمها بعملية قيصرية عكسية، هكذا قالوا، حاولوا رتق ما فتقوا، لكن اتسع الخرق على الراتق... ورغم ذلك أعلنوها طفلة، تحمل رقم تسعة عشر في كناش المحافظات، وهو رقم ارتبط في ذهني بالجحيم دائما... "
يوم العقيقة يوم إغتصاب الأرض ومن بها من بشر وحجر وتمر وبقر وبعر، حتى بعر الأرام لم يسلم من الإغتصاب. قالوا قولا، وقالت الأرض قولا، واتسع الخرق حيث كان الراتق وهو يخرق لا يفكر في لحظة الرتق، اتسع الخرق ولازال يتسع، سيتسع أبدا لأن ما ضاع لن يستطيع الزمن أن ينسينه، فقد انحفر في ديوان التاريخ الذي لا ينسى.
"هذه الأرض، حضارتها عشرة آلاف سنة... عشرة آلاف سنة من الحروب والدمار والزلازل والخراب... "
"كان هناك فتيات في حديقة مدرسة "أروى" يلعبن... يتحلقن حول بائع المثلجات بعد خروجهن... ثم تساقطن كالأوراق... ليس إعياء، إنما لأن الغزاة أرادوا لهن ذلك..."
صورة أخرى لن يعيها إلا من يفهم معنى الخروج من مدرسو أروى والتحلق حول البائع.
وللسقوط أسباب فالأوراق تسقطها الرياح خصوصا في الخريف، أما بنات مدرسة أروى، فسقطن في ربيع العمر. كم جرحا فجرت هذه الصورة، كم شريانا مزقت هذه الفقرة، كم دما نزف حين كتب القلم: "إنما لأن الغزاة أرادوا لهن ذلك" أرادوا اغتصاب الطفولة، أرادوا محو المستقبل ، لأن هؤلالء الفتية هم شهود الغد، أي همجية هذه أيها العالم الأطرش؟
النص كله يفور، يتغلغل فيحرك سواكن الذات، وحين يخاطب الوجدان بلغة علم النفس، وبمشرط الجرٌاح، يكون نصا استشهاديا يغوص في عمق المأساة لينكتب بمداد من جرح المأساة.
ويبقى النص منفتحا على عدة استلهامات تطول طول حجم النكسة.
هكذا قرأتُ هذا المقطع، لم أتمالك حين تسمرت عيناي على عبارات قوية مدوية، من قاموس مستمد من تربة الواقع.
هــري عبدالرحيم
الخميس, 09 اكتوبر, 2008
والخراب... تنام حينا لتبني المدن على ضفاف أحلامها... ثم تكتشف أنها تغذي الكوابيس في منامها: في سومر وأكاد وآشور والمدائن وبغداد... كانت هناك، وستكون هناك، مذابح وحرائق... هي مسألة وقت فقط... بين كابوس وآخر...
ذكريات تسكننا، تقتات على خوفنا، تمنحه هيبة وتجعله يتربع على قلوبنا... هو لا يوجد في
الخارج، بل فينا نحن، وعلينا المرور بجميع مراحله من أجل الوصول إلى تدميره...
القراءة : هــري عبدالرحيم
الجزء 22 من الرواية نص يخاطب الوجدان، استعمل فيه الكاتب لغة تفجر ما بداخل النفس.
أضف تعليقا
اضيف في 08 نوفمبر, 2008 09:05 م , من قبل مبارك العربي
من اليمن
من اليمن

عفوي اخي هري عبد الرحيم اعذرني علي غلط في تقص الاسم حرف ... انت استاذ ومعلم...
اضيف في 09 نوفمبر, 2008 12:57 ص , من قبل hirriabderrahim
من المغرب
من المغرب

أخي وصديقي العزيز مبارك العربي:
أنا سعيد جدا بتواجدك هنا في مدونتي، شرفتني بحضورك وتعليقك الجميل.
بدفء الأصدقاء نحيا.
لك التقدير كله.
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










من اليمن
يالله
ويش هذا اخي هنري انتة عملاق في الادب
والله انا فخور بك وبصداقتك ومعتز فيك
ولاتنسي نجاحك نجا لنا ولك اعضاء منتديات الوحدة
احبك